عباس حسن

379

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

مثلا : نعم المغرد هو البلبل ، وبئس الناعب هو الغراب . أي : الممدوح البلبل ، والمذموم الغراب . فالمراد من الضمير هنا : « الممدوح » أو : « المذموم » . وهناك إعراب ثالث ؛ هو : أن يكون مبتدأ وخبره محذوف ؛ تقديره : « الممدوح » أو : « المذموم » . تلك هي الأوجه الثلاثة المشهورة ، ويلاحظ أن كلّا منها قائم على الحذف والتقدير ، أو التقديم والتأخير ، مع الركاكة والضعف ، مع أن هناك رأيا قديما آخر ، أولى بالاعتبار ؛ لخلوه من تلك العيوب وغيرها ؛ هو : إعراب المخصوص « بدلا » « 1 » من الفاعل ؛ فيكون : « البلبل » بدلا من : « المغرد » ، ويكون : « الغراب » بدلا من : « الناعب » . . . هكذا . . . وحبذا الأخذ بهذا الرأي السهل الواضح في تقديرنا . يجوز في هذا المخصوص أن تعمل فيه النواسخ ؛ نحو ؛ نعم مداويا كان الطبيب ؛ فهو اسم « كان » والجملة قبلها خبرها « 2 » . . . * * *

--> ( 1 ) الأحسن أن يكون بدل كل من كل على جميع الاعتبارات ، لأن المراد من البدل هو المراد من المبدل منه . ومن العجيب أن يكون هذا رأى قلة من النحاة ، مع وضوحه ، وقوة انطباق قواعد البدل عليه ، وعدم تناقضه مع قاعدة أخرى . وأما ما وجه إليه من عيب فقد دفعه العائبون أنفسهم ، وانتهوا إلى خلوه من العيوب ( كما يدل على هذا ما ورد في المطولات ، ومنها حاسية الصبان في هذا الموضع ، وقد نقل عن بعض المحققين جواز البدلية ، وسجله في آخر باب عطف البيان ) فلماذا لم يجعلوه في قوة غيره ؟ بل لماذا لم يقدموه على غيره ؟ ولا نريد أن نسجل هنا تلك العيوب وطرق دفعها ؛ كي لا نسجل مالا طائل وراءه . ومن شاء أن يطلع عليها فليرجع إليها في مظانها التي ذكرناها والتي لم نذكرها . ( 2 ) وفي المخصوص وإعرابه يقول ابن مالك : ويذكر « المخصوص » بعد مبتدأ * أو خبر اسم ليس يبدو أبدا أي : يذكر المخصوص بعد الفاعل ، ويعرب مبتدأ ، أو خبرا لمبتدأ محذوف وجوبا ، لا يجوز أن يظهر . ويقول في حذفه : وإن يقدّم مشعر به كفى * كالعلم نعم المقتنى والمقتفى يريد : إن تقدم على المخصوص ما يشعر بمعناه ويدل عليه من غير لبس ، أو فساد - كفى وأغنى عنه وجاز حذفه ، كالأمثلة التي سبقت في الشرح . أما مثال : العلم نعم المقتنى والمقتفى فالمخصوص قد تقدم فصار في الظاهر هو المشعر ، والأصل : « نعم المقتنى والمقتفى العلم » ، فأغنى عن المخصوص ، منعا للتكرار الذي لا فائدة منه هنا ، و « المقتنى » : الشئ الذي يتّخذ قنية ، أي : الشئ الغالي ، الذي يحرص الناس على ادخاره والاحتفاظ به . و « المقتفى » الذي يقتفى ؛ أي : يتبع وتراعى أحكامه . . .